أحمد بن محمود السيواسي
281
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وأشار إلى أبي موسى الأشعري « 1 » ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) صفة « قوم » ، وهي جمع ذليل بمعنى عطوف ولين ، ولذا عدي ب « على » والأصل اللام ( أَعِزَّةٍ ) أي أشداء وغلاظ ( عَلَى الْكافِرِينَ ) المعنى : أنهم مع المؤمنين كالولد مع والده ، وعلى الكافرين كالسبع على صيده ( يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) أي ملامة الناس فيما يعملون « 2 » من الطاعات كالمنافقين الذين يخافون الكفار ( ذلِكَ ) أي ما وصف به القوم للمدح من الهدى « 3 » ( فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) بتوفيقه ولطفه به ( وَاللَّهُ واسِعٌ ) أي كثير الفضل واللطف ( عَلِيمٌ ) [ 54 ] بمن يصلح به . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 55 ] إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) ثم قال بعد نهيه عن موالاة الكفار حثا على موالاة المؤمنين ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ ) أي ناصركم بالمحبة والأصالة ( اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) بالمحبة والتبعية للّه ، روي : أن عبد اللّه بن سلام قال للنبي عليه السّلام : « إن إخواننا بني قريظة والنضير من اليهود قد أظهروا لنا العداوة وأقسموا أن لا يخالطونا في شيء » فنزلت الآية ، فقال ابن سلام : « رضينا باللّه وبرسوله والمؤمنين أولياء » « 4 » ، قوله ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) رفع على أنه صفة « الَّذِينَ آمَنُوا » أو بدل منهم ، أي هم الذين يقيمونها ، أي يتمونها ( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) أي المفروضة أو الصدقة ( وَهُمْ راكِعُونَ ) [ 55 ] أي يفعلون الخيرات في حال ركوعهم ، لأن عليا تصدق بخاتمه وهو في الصلاة فنزلت الآية في شأنه « 5 » ، وإنما جمع ترغيبا لغيره في مثل حاله . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 56 ] وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ( 56 ) ( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ ) أي أحبه فاستنصره « 6 » ( وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ ) أي أنصاره وأتباع دينه ( هُمُ الْغالِبُونَ ) [ 56 ] أي القاهرون على أعدائه ، والعاقبة لهم ، والأصل فإنهم هم الغالبون ، فوضع « حزب اللّه » موضع الضمير تنبيها على فضل مرتبتهم عند اللّه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 57 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) خطاب للمؤمنين باللسان دون القلب ( لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ ) أي الكفار ( هُزُواً وَلَعِباً ) أي سخرية وباطلا ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي اليهود والنصارى ( وَالْكُفَّارَ ) بالجر بتقدير « من » وبالنصب « 7 » عطفا على « الَّذِينَ اتَّخَذُوا » ، أي مشركي العرب ( أَوْلِياءَ ) في العون والنصرة ، ويجوز أن يكون خطابا للمخلصين نهيا عن موالاة الأعداء في الدين ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) عن ولاية الكفار ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ 57 ] حقا لأن الإيمان الحق قطعكم عنهم فلم يبق بينكم وبينهم إلا البغضاء والشنآن . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 58 ] وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) قوله ( وَإِذا نادَيْتُمْ ) أي إذا ندى المؤذن منكم ( إِلَى الصَّلاةِ ) بيان لاتخاذ الكفار دين الإسلام باطلا إظهارا لعداوتهم للمسلمين ، لأنهم إذا أذن المؤذن وسمعوه ( اتَّخَذُوها ) أي المناداة إلى الصلاة ( هُزُواً وَلَعِباً ) لأنهم كانوا إذا سمعوا الأذان أو رأوا المسلمين في الركوع والسجود ضحكوا واستهزؤا ، قيل : فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وغيره « 8 » ، روي : أن النبي عليه السّلام سأل جبرائيل عليه السّلام من اتخذه مؤذنا ؟ فقال :
--> ( 1 ) وهذا منقول عن البغوي ، 2 / 270 ؛ والكشاف ، 2 / 33 . ( 2 ) يعملون ، ب م : يعملونه ، س . ( 3 ) من الهدى ، ب س : مع الهدى ، م . ( 4 ) عن جابر بن عبد اللّه ، انظر البغوي ، 2 / 272 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 444 - 445 ؛ والواحدي ، 167 - 168 . ( 5 ) اختصره المؤلف من السمرقندي ، 1 / 445 ؛ والكشاف ، 2 / 34 . ( 6 ) فاستنصره ، ب م : واستنصره ، س . ( 7 ) « والكفار » : قرأ البصريان والكسائي بخفض الراء ، والباقون بنصبها . البدور الزاهرة ، 94 . ( 8 ) أخذ المصنف هذا الرأي عن الكشاف ، 2 / 35 .